هدفت هذه الدراسة إلى تحليل قضية الموازنة بين عمل المرأة وحقوق الأسرة من منظور التربية الإسلامية، من خلال استقصاء الأسس التربوية التي تنظّم عمل المرأة، وتحديد جوانب الخلل التي تظهر عند غياب التوازن بين مسؤولياتها المهنية ووظيفتها التربوية داخل الأسرة، وصولًا إلى صياغة مقترحات تربوية يمكن أن تسهم في دعم المرأة العاملة والحفاظ على استقرار الأسرة. ولتحقيق هذه الأهداف، اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي الذي يقوم على قراءة المصادر التربوية الإسلامية والدراسات المعاصرة ذات الصلة، وتحليل محتواها واستنباط دلالاتها. وقد تكوّن مجتمع الدراسة من الأدبيات التربوية والدينية الحديثة والقديمة حول الأسرة وعمل المرأة، بينما اقتصرت العينة على مجموعة من المصادر المنتقاة التي تمثل بصورة مباشرة الجوانب المتعلقة بموضوع البحث.
وأظهرت نتائج السؤال الأول أن الأسس التربوية الإسلامية تنظّم خروج المرأة للعمل وفق إطار يقوم على التكامل بين الزوجين، والالتزام بضوابط الشريعة، وحفظ الوظائف التربوية الأساسية للأم داخل الأسرة، وأن عمل المرأة يصبح إيجابيًا ومثمرًا متى ما انسجم مع هذه الضوابط دون أن يعطل دورها في الرعاية والتوجيه. أما نتائج السؤال الثاني فقد بينت أن غياب التوازن بين العمل والأسرة يؤدي إلى آثار تربوية متعددة، منها ضعف المتابعة اليومية للأبناء، وتراجع البناء العاطفي والانفعالي لديهم، واضطراب انتقال القيم داخل الأسرة، وانخفاض الاهتمام بالتحصيل الدراسي. كما أظهرت آثارًا اجتماعية تتمثل في ضعف التواصل بين أفراد الأسرة، وزيادة الضغوط النفسية على الأم، واتساع الفجوة العاطفية داخل الأسرة، واختلال توزيع الأدوار المنزلية، وكلها عوامل تهدد استقرار الأسرة ووظيفتها الاجتماعية. أما نتائج السؤال الثالث فقد أبرزت مجموعة من المقترحات التربوية التي يمكن أن تسهم في معالجة هذه الإشكالات، من أهمها تعزيز ثقافة الشراكة وتقاسم الأدوار بين الزوجين، وتنظيم الوقت وفق أولويات تربوية واضحة، والتواصل المستمر بين أفراد الأسرة لتعويض فترات الغياب، وتوفير بدائل تربوية موثوقة أثناء وجود الأم في العمل، ومراعاة المرحلة العمرية للأبناء عند اختيار طبيعة العمل. كما شددت النتائج على أهمية دعم المؤسسات لأساليب عمل مرنة تراعي وضع الأسرة، وتنمية الوعي التربوي لدى المرأة والأسرة بأهمية التوازن. وفي ضوء هذه النتائج، أوصت الدراسة بضرورة تبني الأسرة لمبدأ الشراكة الحقيقية بين الزوجين في تربية الأبناء وإدارة شؤون المنزل، وتفعيل برامج إرشادية تساعد المرأة على تنظيم وقتها وتحقيق أولوياتها التربوية، وتشجيع المؤسسات على اعتماد سياسات داعمة للأسرة مثل مرونة ساعات العمل وتوفير الحضانات، إلى جانب توعية المجتمع بأهمية التوازن بين العمل والأسرة بوصفه عنصرًا أساسيًا في استقرار الحياة الأسرية وتحقيق مقاصد التربية الإسلامية.