يتناول هذا البحث مسألة “الإذن المسبق من الجهة الإدارية” كشرطٍ للجوء إلى التحكيم في منازعات العقود الإدارية، بوصفها نقطة توازن دقيقة بين اعتبارات سلطان الإرادة في العقود من جهة، ومتطلبات المشروعية وحماية المال العام وضمان استمرار المرفق العام من جهة أخرى. وينطلق البحث من إشكالية محورية مؤداها: هل يُعد هذا الإذن قيدًا موضوعيًا على قابلية منازعات العقد الإداري للتحكيم، أم هو قيدٌ إجرائي/تنظيمي داخلي على سلطة ممثل الإدارة في إبرام شرط التحكيم؟ وما أثر غيابه على صحة اتفاق التحكيم وعلى قابليته للنفاذ داخليًا ودوليًا؟
وتُعالج الدراسة هذه الإشكالية بمنهجٍ مقارن وتحليلي بين الأردن ومصر وفرنسا، مع تفكيك الأساس القانوني للإذن المسبق وطبيعته وحدوده والجهة المختصة بإصداره وآثاره. ففي التشريع المصري يظهر الإذن المسبق كشرطٍ صريح لاتفاق التحكيم في منازعات العقود الإدارية، مرتبط بموافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه، مع تقييد عدم تفويض هذه السلطة، بما يعكس توجهاً تشريعياً لحوكمة قرار التحكيم داخل الإدارة وتقليل مخاطر التنازل غير المحسوب عن ولاية القضاء الإداري. وفي النظام الفرنسي يبرز الأصل العام في عدم جواز لجوء الأشخاص العامة إلى التحكيم وفق قاعدة تشريعية، مع فتح استثناءات محددة بنصوص خاصة تتيح التحكيم في حالات معينة، بما يجعل “الإذن” أو “الترخيص التشريعي/التنظيمي” هو مفتاح الانتقال من الحظر إلى الجواز. أما في النظام الأردني، فتُظهر القاعدة العامة في قانون التحكيم قابلية التحكيم حتى عندما يكون طرف النزاع من أشخاص القانون العام، دون تقرير نصٍ مماثل لشرط “موافقة الوزير”، بما يثير عملياً سؤال الضوابط الواجبة داخل الإدارة لحماية المشروعية والمال العام عند إدراج شرط التحكيم في العقد الإداري.
ويخلص البحث إلى بناء معيارٍ مقارن يميز بين “شرط الإذن” كقيد على صلاحية ممثل الإدارة في إبرام شرط التحكيم، وبين “قابلية النزاع للتحكيم” كمسألة تتصل بالنظام العام والاختصاص القضائي، مع بيان النتائج العملية لكل تكييف: من حيث جزاء غياب الإذن (بطلان/عدم نفاذ/مسؤولية)، وحدود رقابة القضاء عند الطعن، وأثر ذلك على استقرار المعاملات وجاذبية الاستثمار في العقود الإداري