تناولت هذه الدراسة موقع الوساطة ضمن النهج الاستراتيجي للسياسة الخارجية القطرية، عن طريق تحليل كيفية توظيفها كأداة من أدوات القوة الناعمة في إدارة وتسوية النزاعات على المستويين الإقليمي والدولي. وتنطلق الدراسة من إشكالية رئيسة تتمحور حول فهم دوافع اعتماد الوساطة في السياسة الخارجية القطرية، ومدى فاعلية هذا الخيار في تعزيز حضور الدولة في النظام الدولي، وحدود قدرته على التكيف مع التحولات السياسية، ويتم تناول هذه الإشكالية عبر طرح مجموعة من التساؤلات وتحليل نتائجها في ضوء إطار نظري مناسب.
ينطلق البحث من تحليل مسار مشاركة قطر في أزمات إقليمية انطلقت من محيطها العربي، قبل أن يتسع نطاق هذا الدور ليشمل أزمات دولية أكثر تعقيدًا، وذلك بوصف هذه الحالات وحدات تحليلية تساعد على تفسير تنوع أنماط الوساطة وتباين مستويات تأثيرها. وعليه، يرمي هذا المسار التحليلي إلى الكشف عن الكيفية التي تُوظَّف بها الوساطة ضمن سياقات سياسية مختلفة، وما تفرضه تلك السياقات من فرص وحدود على الفاعلية الدبلوماسية.
منهجيًّا، اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي-التحليلي لملاءمته طبيعة البحث، إذ يتيح توصيف ممارسة الوساطة القطرية، إلى جانب تحليل آليات توظيفها وانعكاساتها السياسية. وقد استند الإطار التحليلي إلى نظرية القوة الناعمة لجوزيف ناي بوصفها مقاربة تفسيرية لفهم أنماط التأثير غير القسري في العلاقات الدولية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الوساطة شكّلت الأداة الرئيسة والمركزية في السياسة الخارجية القطرية، خصوصًا في التعامل مع أزمات مختلفة من حيث الأهمية ودرجة التأثير، سواء أكانت مباشرة على مصالح قطر أم غير مباشرة على المنطقة. وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى فهم ما إذا كانت الوساطة قد مكّنت قطر من بلورة مشروع دبلوماسي له امتدادات إقليمية ودولية مشابهة لما تنتهجه الدول الكبرى، وذلك لاستكشاف قدرة الدولة على توسيع نفوذها وتأثيرها في المشاريع الإقليمية والدولية، وفهم الآليات التي مكنت قطر من تحويل أدوات القوة الناعمة إلى استراتيجية لبناء حضور سياسي فاعل ومؤثر.