كان للبيئة دور في وحدة وتجانس سكان دويلات المدن السومرية، فوصف السومري نفسه كي ــ ان ــ جي (ساكن ارض سيد القصب)، وهو اسمى وصف للفكر الوحدوي يعبر عن مفهوم عميق للمواطنة الذي اكد عليه السومري، ليحتل مكانة في فلسفة بناء النظام الذي يسير عليه المجتمع السومري، فالوحدة في الفكر السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي ارسى مدنية راقية صنعت حضارة علمت العالم القديم الكتابة وانتجت اروع حضارة في التاريخ. فالوحدة في حضارة بلاد الرافدين ليس مفهوما قاصرا على السياسة، ودويلات المدن في عصر فجر السلالات تمتعت ببلورة فكر متناسق رسمت اطارا للفكر الوحدوي في جميع مجالات الحياة وما مجال الوحدة في نظام الحكم الا تتويجا لهذا التناسق. لم يكن الوصول لهذه النتيجة وليدة الصدفة، فقد عانى من سكن منطقة بلاد الرافدين ما عاناه من تحدي للطبيعة والبيئة القسرية لبلاده فأمطاره قاسية تدمر سقوف البيوت على ساكنيها، والامطار والبرد (الحالوب) يكسر سيقان الحنطة والشعير قبل حصادها، وفيضانه قاسي يأتي في غير اوقاته ويدمر زرعه، وهناك التحديات الداخلية في المنازعات بين دويلات المدن والتحديات الخارجية واخطرها الاحتلال وما يخلف من دمار للمدن كل هذه العوامل مجتمعة صاغت اطارا فلسفيا غايته الاساس الفكر الوحدوي الذي ارسى (دولة القطر الواحد) لتصبح جميع دويلات المدن السومرية دولة واحدة مركزية تنشر في ربوع ارضه السلم والامان تقوده نحو الازدهار والقضاء على جميع المخاطر حتى لو كان تحدي الطبيعة نفسها، ببناء السدود وشق الانهار نحو منخفضات تخفف وطأة الفيضانات، وتقف بوجه المعتدي لتتخلص من التحديات الخارجية بعد ان قد قضت على التحديات الداخلية بتوحيد المدن. لقد صنعت الوحدة حضارة وتاريخ لشعب تميزت حضارته واصبحت من اعظم حضارات العالم القديم.